الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

67

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

عزلت حساب الأقلية الصالحة بدقة عن الأكثرية الآثمة باستخدام كلمة ( أكثركم ) في العبارة الأخيرة منها . الآية الثانية تقارن المعتقدات المحرفة وأعمال أهل الكتاب والعقوبات التي تشملهم بوضع المؤمنين الأبرار من المسلمين لكي يتبين أي الفريقين يستحق النقد والتقريع ، وهذا بذاته جواب منطقي للفت انتباه المعاندين والمتطرفين في عصبيتهم . وفي هذه المقارنة تطلب الآية من النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يسأل هؤلاء : هل أن الإيمان بالله الواحد وبكتبه التي أنزلها على أنبيائه أجدر بالنقد والاعتراض ، أم الأعمال الخاطئة التي تصدر من أناس شملهم عقاب الله ؟ فتخاطب الآية النبي بأن يسأل هؤلاء : إن كانوا يريدون التعرف على أناس لهم عند الله أشد العقاب جزاء ما اقترفوه من أعمال ، حيث تقول : قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله . . . ( 1 ) . ولا شك أن الإيمان بالله وكتبه ليس بالأمر غير المحمود ، وأن المقارنة الجارية في هذه الآية بين الإيمان وبين أعمال وأفكار أهل الكتاب ، هي من باب الكناية ، كما ينتقد انسان فاسد انسانا تقيا فيسأل الإنسان التقي ردا على هذا الفاسد : أيهما أسوأ الأتقياء أم الفاسدون . بعد هذا تبادر الآية إلى شرح الموضوع ، فتبين أن أولئك الذين شملتهم لعنة الله فمسخهم قرودا وخنازير ، والذين يعبدون الطاغوت والأصنام ، إنما يعيشون في هذه الدنيا وفي الآخرة وضعا أسوأ من هذا الوضع ، لأنهم ابتعدوا كثيرا عن طريق الحق وعن جادة الصواب ، تقول الآية الكريمة : من لعنه الله وغضب

--> 1 - إن كلمة ( مثوبة ) وكذلك كلمة ( ثواب ) تعنيان - في الأصل - الرجوع أو العودة إلى الحالة الأولى ، كما تطلقان - أيضا - لتعنيا المصير والجزاء ( الأجر أو العقاب ) لكنهما في الغالب تستخدمان في مجال الجزاء الحسن ، وأحيانا تستخدم كلمة ( الثواب ) بمعنى العقاب وفي الآية جاءت بمعنى المصير أو العقاب .